تخطى إلى المحتوى الرئيسي
⚡ خبر عاجل
اقتصاد

فضل محمد خير يكتب إبداع النظام المالي المجتمعي

فضل محمد خير يكتب إبداع النظام المالي المجتمعي

بقلم: فضل محمد خير

في الأدبيات الكلاسيكية للاقتصاد السياسي، يُعدّ انهيار الدولة المركزية مرادفاً حتمياً لانهيار المنظومة الاقتصادية بأكملها. فحين تسقط المؤسسات السيادية، تتبخر الثقة في العملة الوطنية، وتتلاشى آليات إنفاذ العقود، وتنهار البنية التحتية المالية التي تُمكّن الأسواق من أداء وظائفها. غير أن التجربة الصومالية ـ التي امتدت أكثر من ثلاثة عقود منذ سقوط حكومة الرئيس سياد بري عام 1991 ـ قدّمت للعالم نموذجاً استثنائياً يتحدى هذه المسلّمات النظرية تحدياً جذرياً، ويطرح أسئلة عميقة حول قدرة المجتمعات على الابتكار المالي الذاتي حين تُسحب منها كل أدوات الدولة الحديثة.

ما حدث في الصومال لا يمكن تصنيفه ضمن الأطر التقليدية لاقتصاديات الأزمات أو اقتصاديات الحرب. إنه حالة فريدة من الإبداع المالي المجتمعي حيث أعاد شعب بأكمله بناء منظومته المالية من الصفر، مستنداً إلى رأسماله الاجتماعي المتراكم عبر قرون وشبكاته العابرة للقارات، دون توجيه مركزي أو تخطيط حكومي أو حتى إطار قانوني مكتوب. وقد وصف الباحث الاقتصادي بيتر ليسون في دراسته المرجعية المنشورة بمجلة الاقتصاد المقارن هذه الظاهرة بأنها حالة تحسّنت فيها مؤشرات التنمية البشرية الصومالية مقارنةً بالحقبة الأخيرة من الحكم المركزي ـ وهو استنتاج صادم أعاد فتح النقاش حول العلاقة بين الدولة والرفاه الاقتصادي.

حين انهارت الحكومة المركزية، لم يكن السقوط مجرد تغيير في السلطة السياسية. كان تفككاً شاملاً لكل مقومات الدولة الحديثة دفعة واحدة: تلاشى الجيش الوطني، وأُغلق البنك المركزي، وتوقفت المحاكم، وانعدمت الشرطة، وتبخرت كل أشكال الرقابة المالية. في أي نموذج اقتصادي كلاسيكي، كان هذا السيناريو كفيلاً بإحداث شلل تام ـ هروب جماعي لرؤوس الأموال، وتوقف كامل لحركة التجارة، وانزلاق نحو المقايضة البدائية. لكن المجتمع الصومالي فعل ما لم تتوقعه النظرية: أعاد إنتاج أدواته الاقتصادية بسرعة مذهلة، مستنداً إلى رأس المال الاجتماعي المتمثل في المؤسسة العشائرية كبديل عن المنظومة التشريعية والقضائية، وإلى آليات السوق المفتوحة المتحررة من البيروقراطية كمحرك للنشاط التجاري، وإلى اقتصاد الشتات العابر للحدود كشريان يضخ السيولة في جسد الاقتصاد المحلي. من هذه الركائز الثلاث، وُلد ما يمكن تسميته “النظام المالي المجتمعي” ـ نظام لامركزي نشأ كاستجابة حتمية لمتطلبات البقاء، لا كمشروع مخطط له.

في غياب المحاكم والقوانين المكتوبة، كان على الاقتصاد أن يجد آلية بديلة لإنفاذ العقود وحماية حقوق الملكية ـ وهما الشرطان اللذان بدونهما لا يمكن لأي نشاط تجاري أن يستمر. وقد وجد المجتمع ضالته في منظومة “الحير” العرفية، تلك الأعراف العشائرية التقليدية التي تحولت إلى قانون تجاري موازٍ يتمتع بقوة إلزامية مستمدة من سلطة المجتمع لا من سلطة الدولة. فشيوخ العشائر وأعيانها أصبحوا بمثابة قضاة تجاريين يفصلون في النزاعات المالية، والاتفاقيات الضمنية بين العشائر كفلت سلامة حركة البضائع والقوافل عبر مناطق النفوذ المختلفة، ونظام التكافل العائلي وفّر شبكة أمان اجتماعي تحمي الأفراد من السقوط في هاوية الإفلاس الكامل. هذا النموذج منح قطاع الأعمال مرونة تشغيلية استثنائية، فالثقة التي هي عماد أي نظام مالي لم تكن مستمدة من قوة القانون المكتوب، بل من قوة الرابطة الاجتماعية والالتزام العرفي ـ وهو ما يفسر نجاح النظام محلياً ومحدوديته حين يتعلق الأمر بالاندماج في الاقتصاد العالمي.

إذا كانت المؤسسة العشائرية قد وفّرت الإطار القانوني البديل، فإن حوالات الشتات هي التي ضخّت الدم في شرايين هذا الاقتصاد. تُجمع المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، على أن شركات الحوالات كانت الصمام الحقيقي لمنع الانهيار الإنساني الشامل. وفي طليعة هذه المنظومة، برزت شركات مثل “دهب شيل” التي تطورت من مجرد وسيط لتحويل الأموال إلى مؤسسة مالية شاملة تؤدي وظائف تقترب من وظائف المصارف المركزية: إدارة عمليات صرف العملات، وتوفير خدمات الائتمان، والإسهام في استقرار أسعار الصرف المحلية ـ كل ذلك في غياب أي رقابة مركزية. وتكشف بيانات البنك الدولي أن هذه التحويلات تمثّل نسبة جوهرية من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزةً في حجمها إجمالي المساعدات الدولية الرسمية الموجهة للصومال. والأهم أن ما يقارب أربعين بالمائة من الأسر الصومالية تتلقى حوالات منتظمة من ذويها في المهجر، وفق ما رصدته تقارير المنظمات الإنسانية الدولية. لكن الأثر الأعمق لهذه التدفقات يتجاوز البُعد الإغاثي بكثير، فقد تحوّل جزء كبير منها إلى رأس مال استثماري غذّى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وحافظ على دوران عجلة الأسواق المحلية، ومنح الاقتصاد قدرة ذاتية على التمويل والتجدد ـ وهذا التحول من “حوالة إغاثية” إلى “رأس مال إنتاجي” يمثّل أحد أبرز تجليات الإبداع المالي المجتمعي.

المفارقة الأكثر إثارة في هذه التجربة تتجلى في قطاع الاتصالات. ففي الوقت الذي كانت فيه دول إفريقية مستقرة سياسياً تعاني من احتكار حكوماتها لهذا القطاع وبطء خدماتها وارتفاع أسعارها، حقق الصومال ـ البلد المنهار مؤسسياً ـ طفرة جعلت أسعار الاتصالات فيه من الأرخص في القارة بأكملها. غياب البيروقراطية الحكومية خلق بيئة تنافسية حرة بالكامل، جذبت استثمارات القطاع الخاص بقوة. وفي مقدمة هذه الشركات، برزت “هورمود تيليكوم” التي تأسست عام 2002 وتحولت إلى قاطرة التحول الرقمي، مقدمةً خدمات تحويل الأموال عبر الهاتف المحمول والإنترنت والحلول المالية الرقمية. لكن الإنجاز الحقيقي لهذا القطاع لم يكن في الاتصالات ذاتها، بل في إحداث ثورة صامتة في المنظومة المالية. فنتيجة لانهيار الثقة في العملة الوطنية وغياب البنوك، تحوّل الهاتف المحمول إلى البنك الذي يحمله كل صومالي في جيبه. غالبية السكان البالغين باتوا يعتمدون على النقود المحمولة في كل شيء ـ من دفع الأجور إلى شراء الخبز. وما فرضته الأزمة كضرورة للبقاء، تحوّل بمرور الوقت إلى ميزة تنافسية في عصر التحول الرقمي العالمي، حتى إن الصومال بات أحد أكثر المجتمعات الإفريقية جاهزية للاقتصاد الرقمي.

رغم هذا الإبداع الاستثنائي، فإن التحليل العلمي الموضوعي يفرض الاعتراف بأن النموذج يظل محكوماً بسقف لا يستطيع تجاوزه. فما نجح فيه المجتمع هو بناء “اقتصاد بقاء” كفء منع الانهيار الشامل، لكنه يعجز بطبيعته عن التحول إلى اقتصاد تنمية مستدامة. القطاع الخاص وحده لا يستطيع تمويل البنية التحتية الاستراتيجية الكبرى، وغياب السياسات النقدية المنظمة يترك الاقتصاد عرضة لتقلبات حادة، وانعدام الرقابة التنظيمية يحول دون اندماج الصومال الكامل في المنظومة المالية العالمية. إنه الفارق الجوهري بين البقاء والرفاه، بين التكيف والتنمية، بين المحلية والتنافسية الدولية ـ وهو فارق لا يُردم إلا بمؤسسات سيادية مستقرة وبيئة تشريعية جاذبة ونظام مالي يحمي الحقوق ويدير الثروات على المدى الطويل.

في المحصلة، تكشف هذه التجربة عن حقيقة جوهرية طالما أغفلتها الأدبيات التقليدية: إن القطاع المالي الأهلي الصومالي لم يكتفِ بحماية المجتمع من الانهيار، بل أدّى دوراً أعمق وأخطر ـ حفظ كيان الدولة الصومالية ذاتها من الاندثار. فحين حافظت شركات الحوالات على تدفق السيولة بين أبناء الشعب الواحد داخل الوطن وخارجه، وحين ربطت شركات الاتصالات أطراف البلاد المترامية ببعضها رقمياً ومالياً، وحين وفّرت المؤسسة العشائرية إطاراً يحفظ الحد الأدنى من النظام التجاري ـ كانت هذه القوى مجتمعةً تصون ذلك الخيط الرفيع من التماسك الوطني الذي منع تحوّل الانهيار السياسي إلى تفكك نهائي لا رجعة فيه. لقد أبقى القطاع المالي الأهلي على فكرة “الصومال” حيّةً في الوجدان الاقتصادي والاجتماعي، حتى حين غابت عن الخريطة السياسية الرسمية. وهذا إبداع يستحق أن يُدرَس ويُوثَّق في أدبيات الاقتصاد السياسي المعاصر، لأنه يحمل شهادة تاريخية ناصعة: فقد أبدع القطاع المالي الأهلي في حفظ كيان الدولة الصومالية.